PDA

View Full Version : رواية " الحزام " لأحمد أبو دهمان


الفيصل
10-10-2004, 07:06 PM
الحزام
http://www.eb7ar.com/kotb/al7ezam.jpg

نحن على حد علمي القبيلة الوحيدة التي تهبط من السماء ...
في قريتي لا يسقط المطر كعادته بل يصعد ...
كل صباح نحن من نوقظ الشمس ...
يقول أبي أن الشمس ليست سوى أداة عمل في القرية ...
لا أذكر أنها غابت أبداً كان المطر يجيء في عز الشمس ...
التي تغسلنا كل صباح لتمنحنا قوى جديدة ...
يوماً ما روت لي أمي أن قريتنا كانت في البدء أغنية فريدة ...
تماماً كالشمس و القمر ...
و أن الكلمات الشعرية تطير كالفراشات ...
و لأن قريتنا هي الأقرب إلى السماء ...
فإن هذه الكلمات الشعرية تجد في قريتنا المكان الأفضل ...
للتباهي بمكنوناتها ...
كلنا شعراء هكذا كانت تقول أمي :
الأشجار النبات الزهور الصخور و الماء ...
إذ يكفي أن تصغي للأشياء لكي تسمعها تغني ...
هكذا قامت الحياة هنا منذ أن أستنبت أجدادنا أول الحقول ...
هنا يولد الأطفال وهم مبللون بالغناء ...
يمتزج بأجسادهم من الولادة إلى الموت ...
و هؤلاء الذين ندفنهم يتحولون إلى أغنيات داخل الأرض ...
في حلم يقظة ، في صباح لا أنساه ...
رأيت أهل القرية مجتمعين أمام بابنا الكبير ...
يقرأون أسرارهم التي خصني بها كل منهم ...
دونتها بدقة مدهشة و علقتها على الباب ...
رأوا حقيقتهم معاً ... أخذوا يقبلون بعضهم بعضاً مع قليل من البكاء ...
مساء ذلك اليوم ...
دعانا شيخ القرية إلى منزله ...
اجتمعنا لأول مرة حول وليمة ، الرجال و النساء و الأطفال ...
رقص الشيخ ... و أبتسم ...
حتى رأينا أسنانه التي كان يحرص على إخفائها ...
تصرف بحرية مثيرة كما لو انه لم يعد شيخاً ...
فجأة أعلن استقالته وهو يقول :
إن قرية بلا أسرار ليست في حاجة إلى شيخ في الغد ! ...
كان القرويون يتبادلون ابتسامات لم نعرف لها مثيلاً ...
تحولت الحياة في القرية إلى قصيدة و الناس لا يتكلمون إلا شعراً ...
و يغنون بلا انقطاع ...
حتى البيوت أخذت في حلمي شكل القصائد المضاءة إلى الفجر ...
استيقظت ...
لم يبق للقرية سرٌّ واحد ...
و لم أعد أنا شاعر القرية الوحيد .

=============
من رواية الحزام لأحمد أبو دهمان
رواية الحزام تقع في 160 صفحة
الناشر دار الساقي
الطبعة الأولى 2001

الفيصل
14-10-2004, 12:21 PM
لا تزال رواية "الحزام" للروائي أحمد أبو دهمان التي صدرت عن دار غاليمار الفرنسية تقفز من دولة إلى أخرى محققة أرقاما كبيرة في الانتشار. فبعد صدورها لأول مرة باللغة الفرنسية وانتشارها المذهل في المكتبات الفرنسية، وبعد صدورها باللغة العربية، صدرت النسخة الألمانية عن دار ديستيلل ليتيراتور فيرلاغ وقام بترجمتها للألمانية ستيفان لنستير.كما صدرت باللغة الهولندية عن دار ريقو نوفيب للنشر وقامت بترجمتها للغة الهولندية المترجمة كيكي كومانس، وقد حققت الرواية خلال الشهر الأول رقما عاليا في مبيعاتها في المكتبات الهولندية.جدير بالذكر ان الزميل أحمد أبو دهمان يستعد لطرح رواية "الحزام" باللغة الانجليزية خلال الشهرين القادمين عبر داري نشر مختلفتين في نيويورك ولندن، كما سيصدر أيضا النسخة الاسبانية لرواية "الحزام" خلال الشهرين القادمين لتحقق انتشارها ايضا في دول أمريكا الجنوبية الناطقة بالاسبانية مثل فنزويلا والمكسيك بالاضافة إلى اسبانيا.

الفيصل
14-10-2004, 12:40 PM
النبتة النادرة ( 1ــ 3)
----------------------------
ستقرأ ما يمكنك أن تدعوه نصاً مائلاً للماء:

* في حلم يقظة، في صباح لن أنساه، رأيت أهل القرية مجتمعين أمام بابنا الكبير، يقرأون اسرارهم التي خصني بها كل منهم، وقد دونتها بدقة مدهشة وعلقتها على الباب. رأوا حقيقتهم معاً، وأخذوا يقبّلون بعضهم بعضاً مع قليل من البكاء(...) فجأة، اعلن شيخ القرية استقالته وهو يقول: إن قرية بلا أسرار، ليست في حاجة الى شيخ".

هكذا تفتح رواية "الحزام" ذراعيها للقارىء. هكذا هي، حين تخطو لقارئها في صفحاتها الأولى، مغرقة قلبه بفرح شعري، أشبه بمطر جاء ليغسل طين ذلك الضجيج الفكري في معظم ما يهاجم قراءاتنا.

هكذا يهدينا "أحمد أبودهمان" نفسه على أكف من ماء، وسواعد من غيم، وأكتاف من حقول لا تجيد سوى الشعر والغناء.

* عرضن عليها بعض الخبز، لكنها رفضت بحجة ان لديها ما يكفيها. كانت في رأس القافلة، ولهذا لم يكن بامكان الأخريات ان يعرفن ماذا كانت تأكل. ومن تقاليدهن ان يعدن الى القرية في نشيد جماعي، يقطعن به الطريق، ويوقظن به القرية، قبل أذان الفجر. وفي ذلك الصباح، علمتهن أمي نشيداً عذباً، تلك التي كانت تمضغ الحبل قبل قليل، أصبحت تدعى شاعرة الجبل؟"

انتظرت قراءة ترجمة رواية "أبودهمان" من الفرنسية للعربية، لاستطيع ان أفرح بها، كما يليق بالنجاح الذي حققته في اوروبا. وكما يليق بأحمد، هذا الكائن المسكون بالعفوية والصخب والجنون والمغامرة، وقبل ذلك كله، بالابداع. كنت قد رأيته آخر مرة، في باريس حين كان يتكتم على خبر موافقة دار "قاليمار" الشهيرة على نشر روايته باللغة الفرنسية. كان يشتعل فرحاً، لدرجة انني تبللت بناره، وخرجنا معاً من بهو الفندق، لنتبلل بالمطر.

* بعدها بأيام، قلدني حزاماً وسكيناً، وهو يقول: ها أنت رجل، وعليك ألا تخون هذه اللحظة الخالدة أبداً. اياك والنساء لأنهن عائق أمام الرجال. من الآن فصاعداً، لم يعد لك الحق في ان تحب أو تغني الا لحقولك".

سعد الدوسري

الفيصل
14-10-2004, 12:44 PM
النبتة النادرة ( 2ـ 3)
-----------------------------
* ستقرأ، ستظل تقرأ في هذه الرواية ما يجعلك تمطر، ليس سوى المطر:

"نحن نتزوج بالحقول. نحن أصحاب جذور، قالها حزام. بينما الطرف (الذين لا يقيمون علاقة مع الأرض) مخلوقون من الرياح. كيف تود أن نتزوج الرياح؟!"

على هذه المائية السحرية يرتكز "احمد بن دهمان" في سرد تفاصيل قرية "حزام"، هذه البقعة الجنوبية المغرقة في الجبال. حتى رصد التحولات الطبيعية لهذه القرية، لا يتشابه مع اساليب السرد الواقعية، والتي جعلت من بعض الذين انتقدوها، بعد ان قرأوها، أو دون أن يقرأوها، يقعون في التباس كبير. الالتباس بين التصوير الفوتوغرافي، وبين التصوير الشعري:

"ذات يوم، قالت لي قوس قزحي، انها ابصرت خيالي في ماء البئر، شربت منه الى أن ايقنت بأنها شربتني بالكامل. كان هذا الاعلان العاشق، بداية جنوني الفعلي بحبها".

لقد كان احمد مخلصاً في الترجمة، وهي تجربة فريدة، ان يكتب كاتب عربي من خارج لبنان ودول المغرب نصاً باللغة الفرنسية مباشرة، وان يقوم هو نفسه بعد ذلك بترجمة النص للعربية. واجزم انه بذلك كتب روايتين، في البداية كتب للقارئ الفرنسي، لثقافة القارئ الفرنسي، ثم كتب لثقافة القارئ العربي، وشتان بين الثقافتين. ولذلك، حينما يقرأ القارئ في رواية "الحزام" بعض المقاطع الخارجة عن الشعر، فلأن احمد، في هذه الحالة، يكتب للثقافة العربية:

"أنا على يقين بأن في كل امرأة شمساً. انظر كم هن مضيئات. ولهذا اتجنبهن، لأن أي شمس لابد أن تحرق".

" اتمنى ان تظلي صغيرة مدى الحياة، لكي اتمكن من رؤيتك العين بالعين ما دمت حياً.".

ـ ذلك لا يمكنني لأننا نحن أقواس قزح، لا يحق لنا ان نغامر الا مرة واحدة. فاذا احببتك وأنت لست شاعراً حقيقياً، فإن هذا يعني موتي".

سعد الدوسري

الفيصل
14-10-2004, 12:46 PM
النبتة النادرة ( 3- 3 )
----------------------------
لا يمكن، مهما تخلى الكاتب العربي عن التراكمات الفكرية التي شكلته كروائي، إلا أن يقع في القيود التي تكبله، والتي تجعله أحياناً يتدحرج إلى الاسقاط، أو رسم الصورة الشعرية أو الواقعية من خلال لاوعيه السياسي:


* " ـ القرية لا تستطيع أن تفرق بين الكاتب والخراف.


ـ وهل تنوي فعلاً ان تكتب في القرية؟


ـ لا.. لا. اطمئنوا لأنه لا مكان لكاتب في قريته".


وأيضاً:


* "جمل اخوة (العاصمة) (لقب لشخصية من القرية جاءت من السفر) كثيراً من الأكياس، والحقائب. وضعوها أمامنا في المجلس. كانت معبأة بالملابس. هدايا لكل فرد في القرية. ارتديناها مباشرة فوق ملابسنا القديمة، كما لو أننا نضع العاصمة فوق القرية". هذان المقطعان، لا يخرجان في رأيي، عن شاعرية "أحمد أبو دهمان"، في مجمل روايته "الحزام"، والتي صدرت بترجمته هو نفسه من الفرنسية إلى العربية، فالحالة الروائية عند أحمد هي حالة شعرية أصلاً. فكر بها شعراً، وكتبها شعراً، واختصر بها عقوداً عديدة من الوهج الزمني للقرية الجنوبية، بأسلوب، أراهن أنه فرنسي أكثر من كونه عربي. ولو أن مترجماً مبدعاً، هو الذي قام بمهمة الترجمة، لكنّا لمسنا هذه الشاعرية أكثر.


تمنيت بعد انتهائي من قراءة الرواية، لو أن أحمد، كثّف في بوحه الشعري زمناً وحداً من أزمان شخصيته "حزام"، وجعلنا نبحر به ومعه في شواطئ الثروة الاجتماعية الجنوبية، فلقد كشفت هذه الراوية على مدى 160صفحة شخصيات عظيمة لا تحصى، وأزماناً لا يمكن ملاحقتها. وأمنيتي هذه قد لا يكون لها معنى، إذا عرفنا أن الاختصار الشعري هو مقدرة فذة، قوبلت في اوروبا باحتفاء كبير، احتفاء يستحقه فنان مبدع، هو واحد منا، من ثقافتنا ووعينا وزمننا. فنان ننتظر أن يتم تكريمه محلياً وعربياً، أفضل تكريم":


* "اختفت القرية. ولم يبقَ لي إلاّ حزام الذي اصطحبني نحو الصخرة الكبيرة التي كنا ندعوها الذاكرة، وهي الصخرة الوحيدة التي كانت تتوجها نبتة نادرة يرويها حزام كل مساء بالقرب من هذه الصخرة، تدفن النساء عذاباتهن، وهكذا يفعل الشعراء".

سعد الدوسري

الفيصل
03-01-2005, 06:30 PM
شيء من الرواية و لكن بتصرف مني و عذراً للمؤلف

مدخل :
( من لا يعرف نسبه لا يرفع صوته )
هكذا علمتني القرية قبل كل شيء ...
في باريس احتميت بقريتي ...
أحملها كنار لا ينطفيء ...
القي السلام بصوت مرتفع ... و عندما اكتشف أنهم لا يسمعون ...
ألقيت السلام على السلام بصوت منخفض ..
و كتبت ( الحزام ) لألقي السلام بالصوت الذي يمكن أن يسمعوه .

زوج زوجته :
( يا رب سِتْرك في الدنيا و الآخرة )
هكذا كانت تستقبل القرية نهارها و مسائها ...
ما عدا حزام ... سِرّ القرية و لغزها الكبير ...
كان يدعو بعينيه و نحن نغُضُّ الطرف ...
لأن فمه مملوءٌ عادة بالتمر و الزبيب ...
- لست كالآخرين ... قال لي حزام ...
أنهم يعيشون يومهم و القرية ليست إلا محطة عبور بالنسبة لهم ...
بينما يشكل الدعاء عقداً بيننا و بين الحياة ...
يلزمنا بأن نترك أَثَراً في هذه الأرض ...
حتى لو اقتصر ذلك على تقبيل شجرة ...
هكذا بنى أجدادنا القرية ...
كل حجر ، كل بئر ، كل قصيدة ، كل و رقة ...
و كل خطوة تحمل أنفاسهم و عشقهم ، آمالهم و شقائهم ...
انكساراتهم و انتصاراتهم ...
أولئك الذين كانوا كل صباح يشيدون قريتهم ...
و كأنْ ليس أمامهم إلا نهار واحد لتخليدها ...
الرجل سكّين ، أليس كذلك ؟ ...
كله سكّين نظراته ، أفعاله ، أقواله وحتى نومه ...
يجب أن يكون حاداً كالسكّين ...
سكّين الرجل هي قلبه و عقله ، حياته و موته ...
في حين لا يمكن أن نلوم المرأة على شيء .
- سأكون السكّين التي تملأ عينيك يا حزام .

كان حزام يعرفني جيداً ...
يعرف أنيّ قادر على اختراق دواخل الناس و ضمائرهم ...
بمجرد النظر إليهم ...
كنت أرى و أكتشف كلَّ شيء ، و في الوقت ذاته لم أكن أحتفظ بسرَّ ...
لا من أسراري و لا من أسرار الآخرين ...
حتى أولئك الذين ألتقي بهم لأول مرة ...
يبوحون لي بأدقِّ أسرارهم و أكثرها حميميّة ...
هل لأنّي لم أكن سراً لهم ؟ ... ربما ...
حتى حزام الذي كان يُسمّيني ( الفضيحة ) ...
أسر إليَّ بأنه ضاعف كميّة التمر و الزبيب التي يأكلها ...
منذ أن بدأت أجيد الكلام ...

في حلم يقظة ، في صباح لا أنساه ...
رأيت أهل القرية مجتمعين أمام بابنا الكبير ...
يقرأون أسرارهم التي خصني بها كل منهم ...
دونتها بدقة مدهشة و علقتها على الباب ...
رأوا حقيقتهم معاً ، أخذوا يقبلون بعضهم بعضاً مع قليل من البكاء ...
مساء ذلك اليوم ، دعانا شيخ القرية إلى منزله ...
اجتمعنا لأول مرة حول وليمة ، الرجال و النساء و الأطفال ...
رقص الشيخ و أبتسم حتى رأينا أسنانه التي كان يحرص على إخفائها ...
تصرف بحرية مثيرة كما لو انه لم يعد شيخاً ...
فجأة أعلن استقالته وهو يقول : إن قرية بلا أسرار ليست في حاجة إلى شيخ .
في الغد ...
كان القرويون يتبادلون ابتسامات لم نعرف لها مثيلاً ...
تحولت الحياة في القرية إلى قصيدة و الناس لا يتكلمون إلا شعراً .

كنّا أربعة في البيت ...
أمي التي أحب و أبي الذي يحُبُّنا و أختي ذاكرتي ...
و أنا الشاعر كما كانوا يتوهمون ...
علّمتني أمي الشعر ...
و أبي علم أختي العزف ...
أُسرة تشبه الحلم ...
لم تكن تستهويني المدن ، يقول أبي أنها أقيمت لأهل التجارة و السياسة ...
و أنه من أجل اختراق مدينة ...
عليك أن تعرف محتويات حقائب النساء اللواتي يُقمن بها ...
كان يقول : ( لكي تعرف امرأة بالفعل ، عليك أن تراها بدلاً من أن تنظر إليها ) .
كنتُ أغذي روحي برائحة أمي ، بنظراتها ، بجمالها ...
كل أهل القرية يعرفون رائحتها و خبز يدها ...

تذكرت الحكاية التي روتها أمي :
وصل رجل غريب إلى القرية ، كان للتو فقد زوجته ...
بين ذراعيه طفلة في سن الرضاع ، عرضت عليه القرية مأوى و طعام ...
و أبدت النساء استعدادهن لإرضاع الطفلة و احتضانها ...
رفض هذه العروض الكريمة ...
كان قد أقسم لزوجته لحظة الوفاة ألاّ يرعى هذه الطفلة سواه ...
و ألاّ يقيم في بيت بعدها لأنّها كانت و ستظلُّ الأمَّ و البيت ...
عاش الرجل في المسجد أغلب الوقت ...
و ضلّ يحمل ابنته و يضمُّها إلى صدره ليلاً و نهاراً ...
و بكاؤها يشقّ القلوب و السماء ...
ثم خفت حِدّة البكاء ... و أعتقد الناس أنها ربما ماتت ...
لكنهم لاحظوا أنها بدأت تنمو و تخضرُّ مثل الرضّع الآخرين ...
ذلك أن أباها استطاع إرضاعها بثدييه ...
يومها آمن أهل القرية أن في مقدور أيّ أب أن يُصبح أُماً .

( لكل مطرٍ نبات ) ...
- في الربيع من الأفضل للإنسان أن يكون شجرة ...
كان أبي يقولها و هو متجرّد من أغلب ملابسه تحت المطر ...
كان يحثني على الفضيلة و كنا نسقي إحدى المزارع ...
أوقف كل شيء، ثم أذن للصلاة ...
كان صوته عذباً، خصوصاً عندما يتجه إلى الله ...
رأيت كل شيء يصغي إليه ...
النباتات ، الأشجار و الجبال ...
حاولت اللحاق به كالعادة لأداء الصلاة ...
لكنّه أبدى رغبة صادقة في أن يصلي وحده ...
و حسبته عقاباً لي ...
استتر بجدار و صلّى ...
و صليت كما لم أصلْ أبداً من قبل .

الفيصل
05-01-2005, 02:45 AM
في اطار التعاون والتنسيق بين مكتبة الملك فهد الوطنية والسفارة الفرنسية بالرياض استضافت المكتبة الاديب السعودي احمد ابو دهمان في محاضرة ألقاها وكانت بعنوان «كاتب سعودي في باريس» وذلك في مساء يوم الاثنين 25/12/1421ه الموافق 20/3/2001م وكان قد تولى تقديمها الدكتور معجب الزهراني الذي اخذ يرحب ب«الحزام» الانتاج الفكري لأبو دهمان الذي صدر في باريس قبل عام الذي لاقى احتفالا مفاجئا وسعيدا لم يتوقعه الكثيرون وكان الدكتور معجب قد كتب دراسات نقدية عن ذلك النص الذي وصمه بالنص الجميل وكان قد ألقى محاضرة نقدية في نادي أبها الثقافي عن هذا الكتاب.
وبدأ احمد ابو دهمان يقص في البدء عن حكاية حلمه وكان حلمه قد تحقق من خلال هذا اللقاء وحققته السفارة الفرنسية بدعوة للمشاركة في الأنشطة الفرانكفورتية الذي يعده تشريفا له وتشريفاً للمملكة خصوصا عندما يلتقي في هذه المحاضرة بالجمهور الذين يعدهم من جملة اهله واحبابه ويقول: «عندما ألتقي بأهلي فإنني لا اكتب وانما اتحدث إليهم مباشرة وحيّا ابو دهمان في تلك الليلة والده الذي بذل كل شيء وقال ان لي آباء كثيرين منهم الاستاذ عبدالكريم أبو جهيمان كما أحيي أساتذتي بجامعة الملك سعود وادين لهم بالفضل، الذين اعدهم بحق آبائي وقد اشدت فيهم بقصيدة نشرت في جريدة الرياض بعنوان «أبجدية الفرح»..
وقال ان روايته «الحزام» ابتدأت من هنا وتشكلت روحي في هذه البلاد وتشكلت شعريا من هنا وتشكلت معرفيا من باريس وكانت هذه القصيدة «أبجدية الفرح» تمثل بالنسبة لي لحظة من لحظات الموت، واكتشفت انه لا خيار أمامي إلا الكتابة لانه لا حياة إلا بالكتابة، ودعت ابنتي ذات صباح وهي ذاهبة الى المدرسة فقالت بالله سترتك فرجعت الى مكتبي وابتدأت الحزام ، ابتدأت الحزام بعد عشرين سنة من البحث من بحث تاريخ هذه البلاد تاريخها الثقافي، تاريخها الديني، تاريخها السياسي وان كانت سبقتني الى ذلك دراسات جادة ككتابات الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين والدكتور محمد آل زلفة وكان علي ان اصيغ تاريخ هذه البلاد شعراً، لان البلاد التي اؤمن بانها اطول قصيدة في تاريخ البشرية ولا يمكن ان يكتب تلك القصيدة إلا احد ابنائها وفعلا انجزت هذا النص رواية الحزام في سبعة اشهر وكنت خلال تلك الفترة احدث ابنتي خلال اصطحابها من المدرسة الى البيت في الساعة الرابعة عن احداث تلك الرواية وكنت اقرأ لها ما كتبت كما افعل ذلك الشيء مع والدتها عندما تعود في المساء الساعة السابعة والنصف كنا نجتمع واقرأ عليهم ما كتبت من احداث الرواية، بعد سبعة اشهر من كتابة النص بكيت كما ابكي في حياتي وضحكت كما لم اضحك من قبل في حياتي.
حينما بدأت قلت لزوجتي لم اعثر على اسم لحكيم القرية وعندما انتهيت من هذا النص، تبلغت في مكالمة هاتفية من القرية بموت ذلك الرجل العجوز الذي كان يشكل بالنسبة لي كل الآباء وعشنا في مأتم وحزن حتى الآن.
ورواية «الحزام» تعني اسم حكيم القرية او القبيلة ، صدرت رواية «الحزام» وعرضتها على بعض الاصدقاء المقربين جدا، وكنت على يقين ان هذا النص، ولكي اكتب نصاً يجب علي ان اكتب نصاً مختلفاً عن السائد كما افعل عادة عندما اكتب قصيدة، وتقص الرواية احداث طفولة المؤلف التي عاشها في قرية آل خلف حيث اخذت العادات والتقاليد والاغاني الشعبية حيزا منها، صدرت رواية «الحزام» وعرضتها على بعض الاصدقاء المقربين جدا ودعوني الى نشر العمل وكنت على يقين ان هذا النص، ولكي اكتب نصا يجب علي ان اكتب نصا مختلفا عن السائد كما افعل عادة عندما اكتب قصيدة.
اما عن الرسالة التي كان يريد توجيهها المؤلف للفرنسيين حينما كتب روايته باللغة الفرنسية فيقول : «لكني كنت اريد ان اقول للفرنسيين من كتابتي للرواية «الحزام» ان هناك وجهاً مضيئا للبلاد وفوجئت بردود الاستجابات لهذا العمل الادبي ووصلني عقد من دار غاليمار الفرنسية يوازي اجور الكتاب الكبار والذين يوازنون في الحصول على جائزة نوبل في يوم 23 مارس عام 2000م صدرت الرواية وحظيت باهتمام الصحافة الفرنسية كاللموند وليبيرسيون ووسائل الاعلام الفرنسية من اذاعة وتلفزيون فخصصت له برامج على القناة الخامسة وفي راديو فرانس كولنور )راديو فرنسا للثقافة( ويعد ابو دهمان اول كاتب باللغة الفرنسية من الجزيرة العربية وقد اصبح ذا صيت ذائع بين الاوساط الثقافية والفكرية الفرنسية لما لاقته روايته من اقبال شديد. حيث بيع منها حتى الآن اكثر من عشرة آلاف نسخة وسيتم طباعتها مجدداً من قبل دار غاليمار في طبعة ذات حجم صغير ستضمن لها نجاحات اوسع خاصة بين الشباب علما بانه قد صدرت من الرواية خلال سنة واحدة ثماني طبعات كما انني قد وقعت عقوداً للترجمة الى الالمانية والانجليزية والعربية وآخر العقود التي قمت بتوقيعها هي ترجمة النص الى اللغة الهولندية فما زال يبدو امام رواية «الحزام» لغات اخرى وقراء آخرون.
المداخلات
د. عبدالله الغذامي : الحقيقة اننا كنا بحاجة الى ان نكرم احمد ابو دهمان، وان نقدم له التحية ، ان نقدم له التقدير، وهو يمثل رمزاً ويعد احد الرموز التي تمثل الانجازات لهذه البلاد، والانجاز الفعلي لاي بلد من البلاد هو خطاب المحبة، الذي يمكن ان ينقله اي رمز من رموز إلى اي بقعة من بقاع العالم، ولا شك ان الاصوات العربية التي تتحدث في بقع غير عربية هي اقوى بكثير من الاصوات العربية المتحدثة في اوطانها نفسها كتجربة جبران خليل جبران، ادوارد سعيد، في المنجزات الادبية، د. احمد زويل في المنجزات العلمية الى غيرها من الاصوات التي تذهب الى الغرب وتكتسب المعرفة والثقافة وتثبت وجودها بتحد في تلك البيئات.
الدكتور محمد آل زلفة اشاد في مداخلته بان جميع الادباء وقفوا الى جانب احمد ابو دهمان خصوصا بعدما اشتهرت روايته «الحزام» في الاوساط الفرنسية.. كما ان تلك الرواية صوّرت القرية بكل صدق الحياة الفطرية والطبيعة التي يعيشها القرويون.
واشار الدكتور محمد في مداخلته ان المحاضر تحدث كثيرا عن البكاء وليس هذا عجبا اذ ان القرويين يميلون بحنين الى قراهم الذي شاء القدر ان تتحول تلك القرية «الحزام».. بفضل ذلك النص الى قرية كونية علمية ويحتفي بها من وراء البحار.
يحيى ابو راعي احد ابناء قرية «الحزام» اخذ يحيي المحاضر بتقدير وشكر وتساءل لماذا ابو دهمان لم يغرد إلا خارج السرب ومن هو السبب هو هل الاهل ام شخصية احمد ام الاثنان معا.. الا ان المحاضر لم يجب اجابة واضحة.
اشار الاستاذ عبدالعزيز الصقعبي على المحاضر عندما يقوم بترجمة نصه من الفرنسية الى العربية ألا يكتب على الغلاف ترجمة ولكن يكتب بدلا من ذلك نصا متوازيا كما فعل الكاتب الموريتاني موسى ابو اده في روايته.
الاستاذ حسين المناصرة اشار على المحاضر من خلال وجهته النقدية ألا ينشر العمل باللغة العربية لانه سوف يفقد توهجه واصالته بلغته الاصلية.. وقال انني افضل ان تبتعد عن هذا النص وألا يقوم المحاضر الكريم بترجمته بل يُكلف بهذه المهمة آخرون كالدكتور معجب الزهراني مثلا.
جزم الدكتور محمد البقاعي بان عمل ابو دهمان لو كتب باللغة العربية اصلا لما حصل على الاحتفاء والشهرة والصيت كما حصل عليها في الاوساط الثقافية الفرنسية.
الدكتور محمد العوين تساءل عن مصير رواية «الحزام» اثناء طباعتها باللغة العربية وهل سيكون مصيرها مثل روايات تركي الحمد وغازي القصيبي نقرأها مهرَّبة فاجاب المحاضر بانه يحلم بان تدخل روايته «الحزام» الى القرى الى كل قرية وتمنى ايضا ان تجد روايات تركي الحمد وغازي القصيبي وكل المبدعين فرصتها في داخل الوطن.
لقطات
«الحزام» اول عمل سعودي مكتوب باللغة الفرنسية يحتل موقع الصدارة في قائمة مبيعات الكتب في فرنسا طوال اسابيع.
تحدث ابو دهمان عن قريته التي تسير حياتها على ايقاع الشعر والغناء، فجميع افراد القرية يغنون.. انهم يغنون للحياة من لحظة الميلاد (الطفولة) وحتى الموت.
قريباً ، سوف تصدر ترجمة عربية بقلم المؤلف نفسه عن دار الساقي.

الفيصل
05-01-2005, 02:48 AM
أنجزت الدكتورة لمياء باعشن استاذة الأدب الانجليزي بجامعة الملك عبد العزيز قراءة نقدية لرواية (الحزام) لأحمد أبو دهمان يوم الاحد الماضي وكان عنوان ورقتها (حركية الزمكان في حزام أبي دهمان) حيث ركزت الورقة على أهمية البعدين المكاني والزماني في رواية الحزام باعتبارهما المفتاح الرئيسي لتناول وقراءة هذا العمل الروائي , ورأت أن حزام العنوان وحزام الشخصية إطاران متكاملان خاضعان للبعدين السابقين في علاقتهما بتحولات القرية والمدينة وتجلياتهما في العمل في صور مختلفة ..وقد حظيت الورقة بمداخلات من الحاضرات حيث شاركت الدكتورة فاتن أمين شاكر والدكتورة ثريا اسعد والدكتورة أميرة قشقري والدكتورة قدرية عوض استاذة الأدب الفرنسي التي قامت بقراءة بعض المقاطع من النص الفرنسي للرواية وأقامت مقارنات عدة مع النص العربي. الجدير بالذكر أن صالون المها الأدبي اهتم في العام المنصرم بمحورالسيرة الذاتية والسير الذاتية الروائية إذ أنجزت قراءات عدة للعصفورية للقصيبي وسفينة الصفا لحمزة بوقري والايام لطه حسين.

الفيصل
05-01-2005, 02:58 AM
(في باريس اكتشفت ذاتي واكتشفت انني حين كنت في المملكة. في هذه الثقافة القبلية, لم اكن سوى خلية صغيرة في جسد ضخم, لم اكن فردا ابدا, لان الثقافة القبلية كانت تلغي الفرد والفرد خلية صغيرة في هذا الجسد المعروف - حسب الدراسات الانثروبولوجية - بالشخصية القاعدية, والتي يمثلها عادة شيخ القبيلة وحين ذهبت الى فرنسا, فانني واجهت نفسي في مجتمع يعترف بالفرد, في بيئة قامت حداثتها وحضاراتها على الاعتراف بحقوق الفرد.
بدأت تتحقق ذاتي, وبدأت اجيد القراءة. القراءة كعلم, فاكتشفت بلادي في هذه اللحظة. بلادي التي لم اكن اعرفها, ولم يكن في امكاني ان اعرفها, ولو انني بقيت هناك. اكتشفت الجزيرة العربية. اكتشفت هذه القصيدة التي بناها آباؤنا بعرقهم وتعبهم وجوعهم. اكتشفت بلادا عظيمة. خبأوها عنا، اكتشفت الجزيرة جاهليتها وحاضرها، مازال مصطلح الجاهلية يشكل لي عارا. ولكن الجزيرة العربية لم تكن جاهلية. كانت معلقات. كانت تتعايش فيها كل الاديان. انتمي لهذه البلاد. انتمي لهذه الجزيرة. ولقد كتبتها. كتبتها في (الحزام).
احمد ابو دهمان - اشراقات ص 129

الفيصل
05-01-2005, 03:04 AM
"حزام" القحطاني الممنوع في السعودية !

"اللغة الفرنسية مكنتني من الحديث بحرية عن عائلتي و قبيلتي التي غادرتها عام 1980 متوجها الى باريس من أجل الدراسة
اللغة الفرنسية جعلتني اقترب أكثر من بلدي
عكس العربية الفصحى أو الكلاسيكية التي هي ليست لغتي الأصلية
و إنما لغة ندرسها ونتعلمها أيضا
فإذا رغبت في الكتابة بشكل جيد
فإما أن أختار اللهجة التي تربيت عليها أو أختار اللغة الفرنسية .

لم أستطع أن أقرب عائلتي باللغة العربية
لقد حاولت ترجمة عملي أو إعادة كتابته باللغة العربية
لكنني لم أستطع وفي النهاية عدلت عن الفكرة
الى أن صدرت الترجمة العربية عام 2001 عن دار الساقي
و مُنعت من التداول في العربية السعودية"·

أحمد أبو دهمان "صاحب رواية الحزام" - "الشرق الأوسط"

الفيصل
05-01-2005, 03:13 AM
محمد العباس

ورغم إشارية الشعر الحاضرة بكثافة في "الحزام" هنالك اصرار على المباشرة والمعالنة السردية، فأحمد أبو دهمان يميل إلى الاتكاء على الجملة المحكية، أو النبرة التذويتية، كضرورة من ضرورات التعبير الجمالي، التي يؤكد بيير جيرار على أهميتها لإحداث التأثير الفني، فالحزام مجرد قرية تنسرد حكاية، بمستوى صوغ حميمي النبرة، وعلى ذلك التواقت ينفتح القص على مفارقة بنائية على درجة من الأهمية، أي باتساع دلالي وباقتصاد لغوي في آن، بحيث يتقلص الكلام رغم حضور "الحكي" وتهيمن "اللغة" بما هي فعل تعبيري لا يبلغ تعالياته الدلالية الا عندما يطال مرقى الكتابة، كما حدث في "الحزام" كرواية مكتوبة بحرفية وليس مجرد حكاية مستعادة شفاهيا.
يتأسس ذلك التدفق السردي بأسلوب أمثولي، حسب تصور ياوس للسرديات التي تتضاءل فيها الثيمة، لتطييف الشخصيات والفضاءات بحيث تبدو مجرد أقنعة لذات تتسرب إلى بنية السرد وتستبطن بناها العميقة بوهج الشعري، بحيث لا يبقى من النص الروائي بعد الفراغ منه سوى الصدى الشعري، بما هو الأثر الجمالي الأكثر مكوثا واستفزازا للحواس، فحزام "الذي لن تروه" كما قرر أبو دهمان أقرب إلى المعنى الذي تتعبأ القرية في رمزيته منه إلى الكيان الشخصاني، بدليل أن الراوي أراد التأكيد على مشاعية ذلك المعنى المشخصن حين قال "تخطئ كثيرا إذا كنت تعتقد أن حزام ملك لك وحدك، بل انك تكشف عن حقيقة واحدة، وهي أنك لا تعرفه جيدا".
إذا، حزام هو الأثر التاريخي من ذاكرة القرية، بما هو شخصية "مبئّرة و مبأّرة" تعمل كشخصية مرئية/رائية في آن ، أي على مستويين من التبئير الداخلي والخارجي، فشخصيته الجاذبة التي جاءت كلافتة عنوانية، هي بمثابة المقام السردي، بمفهوم ميك بال في مجادلتها لجيرار جينت حول طبيعة الشخصيات المركزية في الفعل الروائي، حيث يستدعى حزام في كل الاستشهادات كمعادل لحياة قرية آخذة في الانمحاء جغرافيا والانكتاب روائيا لتخلد فيما يشبه الترجمة التاريخية لسيرة آل خلف، على اعتبار أن الرواية تاريخ، والتاريخ في الأصل هو المعادل للذاكرة.
وهكذا تحضر السيرة المستدعاة بشكل شبه-انتقائي من هناك، ذاكرة مسكوبة في كائن، فيما يشبه التخاطب الرثائي لتاريخ لن يعود "حزام الذي أورثني ذاكرته - ذاكرة القرية - لذا كان علي أن أعثر على ذاكرة تحمله وتحملني" بما يعني أن حزام هو اللسان، أو اللغة، بما تعنيه من تجسيد جمالي للحقيقة، أو تلك التي أصبحت صورة فنية، بتصور باختين، عندما تحولت الى كلام على لسانه كمتكلم، واقترنت بصورته كإنسان، فكانت هي اللسان الناطق داخل الفعل الروائي، لتحتل ما يمكن اعتباره الزمن النفسي وموضوعية المكان.
أما المكمن الشعوري من الذاكرة فهي أمه بما هي الاستعارة الأبوية، أو الصورة المرآوية التي تتمرى فيها "الأنا" وتتكهفها مخياليا فيما يشبه الاستدعاء الحنيني للتغلب على حالة الاغتراب والتمزق، كما يفسر لاكان ذلك الارتسام الأمومي الدائم عبر شاشة العقل، وهو ما يقره أبو دهمان بصراحة تأنيثا مجازيا للذاكرة/القرية بما هي مكان وجغرافيا الوعي والشعور"اخترتها ذاكرة امرأة" فهكذا يصعد أبو دهمان تصميمه الشعري للحقيقة من خلال شعرنة شخوصه وكائنات قريته، فيما يشبه التشييد الرمزي لما يستشعر امكانية فقدانه أو ضياعه كواقع.
إذا، هي ركيزة أخرى من الركائز التبئيرية بمفهوم جينت في "أصل الحكاية" الحاضرة كقيم شعرية مهيمنة، يصعب أن ينسج السرد أخدوعاته دون أن يخضع لسطوتها، وحتى "قوس قزح" كانت أقرب إلى التأسطر أو الوجود الكنائي المحمّل بالدلالات الشعرية منها الى التجسد، وإن جاء اشتقاقها من مرجعية الواقع، فهي دائما مجازية الفعل والحضور، حلمية الاستدعاء، وكأنها تختصر صبايا تلك القرية بمعناها المتمادي شعريا فالأب يصعد استحالتها للراوي "قوس قزحك في سماء أخرى" فيما تبالغ الأم في تطييفها "هذا ما أمكنها أن تعطيك. أما هي فقد خطبت، ولم يبق منها إلا ما في يديك" بمعنى أنها أقرب الى التجريد منها الى التجسد الشخصي، أو هذا هو المعنى التداولي الذي أراده أبودهمان.
انها سيرة القرية التي تموت أمام العواصم والمدن بموت "حزام" وكأن القرية بكل عنفوانها وتاريخها لم تكن سوى محطة عبور إلى عالم جديد، حتى أن لغة الرواية تميل في نهايتها إلى النبرة الرمادية عند حديث الراوي عن بيت أسرته الذي لم يعد فيه أي غناء ولا شعر، انما مجرد أرملة متفانية في خدمة رجل حي، وعن بيت يزيد عتمته أب مريض، يعلن تنازله الاضطراري عن حقله الزراعي الذي كان مفخرته القروية لحقل ابنه الكتابي أو المديني القادم، وعلى ذلك التفريغ الروحي المادي لفضاء القرية من مقوماتها تنكتب سيرة "الأنا" المغتربة المجسدة في صيغة الرواية، بما هي الشكل الأدبي المعني بالبحث عن الحقيقة، بتعبير إيان واط، بعيدا عن خطابية الحكي أو قوالب الكلام الجاهزة، وقريبا من كل ما يمثل الفردي والابتكاري الجديد، والمتمرد الطليق، بل ان هذا الابتكاري، بما هو بحث عن الحقيقة الجمالية وتجسيد لها، هو الذي فرض السيرة الذاتية للروائي لتكون جزءا من كتابته الروائية للحزام.
وفق ذلك الأحساس الضمني بالأنا تتعالى النبرة الغنائية، أو هكذا يتفعل الوعي اللغوي الروائي، حيث تتوحد اللغة في مقام سردي لا يقيم مسافة فاصلة بين المسرود لهم خارج الرواية بتصور جيرار جينت، والمروي لهم داخل الرواية بتعبير جيرالد برنس، بل حتى بين القارئ العادي وذلك المثالي المتعالي ذوقيا ومعرفيا، فالمروي لهم هنا في "الحزام" أناس يشبهون الرواي، ويتناغمون معه بنيويا، أما أبو دهمان وفق ذلك الوعي اللغوي الروائي فهو ذلك الكائن الذي يغترب منفردا ليعود الى جماعية النبع بحنين التائب عن غربته، حيث المحل والذاكرة الجمعية التي تذوب فيها "الأنا" وهكذا هي رواية "الحزام" تنبني فنيا على استقلالية الإنشاد الفردي، بما تتطلبه شعرية السرد، في ذات الوقت الذي تستدعي فيه عمومية التاريخ الاجتماعي فتصوغه حينا، ويصوغها أحيانا أخرى في علاقة تبادلية.
إذا، هكذا أراد أبودهمان أن يعيش حقيقة قريته بشكل روائي، ليحيل كل عبارة الى اضاءة شعورية، بحيث يتدانى من الحكي والبوح الذاتي في طقسية اعتراف ولو حذرة، بل حتى عبر اللفظية أحيانا لعالم المروي لهم، ليقترب من شخصيات انبساطية توحي بالدعة والألفة، بحيث لا يجدون في "الحزام" سوى مرآة صريحة لما عاشوه، تفضحهم بود، وبحيث لا تستفز الروي الى تعاليات الخطاب الروائي، فهكذا ينبسط السرد بحدسية تطابق بين استجابة القاري والمروي له، وعليه تتفسر أيضا مبررات كتابة "الحزام" بما هي نشيد لتخليد قرية "آل خلف" فأبو دهمان يستبطن شعورا رثائيا عميقا بأنه بات بعيدا ونائيا بما يكفي للنسيان، وعليه أن يتذكر، فهو لا يمتلك سوى القاء التحية من بعيد، أو يرمي بتلويحة المنفي عن رحم قريته، وهكذا استعادها ليودعها "أحملها كنار لا تنطفئ، ألقي السلام بصوت مرتفع، وعندما اكتشفت أنهم لا يسمعون ألقيت السلام على السلام بصوت خفيض... كتبت الحزام لألقي السلام بالصوت الذي يمكن أن يسمعوه...".

جريدة الرياض
لخميس 27 محرم 1425العدد 13054 السنة 39