PDA

View Full Version : الرقصة الاخيرة ( قصة قصبرة )


alsha3ir
13-06-2004, 06:20 PM
الرقصة الآخيرة


تأليف : أحمد عمر محمد عمر



أجلسها على كرسى وجلس هو فى الكرسى المقابل لها ، ولا تفصل بينهما سوى الطاولة الصغيرة . وصفق للنادل وطلب منه (2 برتقال ) .

لم يجدا موضوعاً فى البداية يتحدثا فيه ، رغم ان قلوبهما كانت تتحدث بالكثير ، وعيونهما تكاد تنطق .

فمنذ رآها منذ عدة ايام .. وعيونهما تنطق بالكثير ؛ ذلك اليوم .. حينما اتى اليها لتعلمه الرقص ، فقد كان قد قرر الالتحاق بالسينما ، وأول دور اعطى له ، كان فيه مشهد رقص ، وقرر ان لايضيع الدور ، وان يجد من يعلمه الرقص؛ فدلوه عليها ..فقد كانت ماهرة جداً فى الرقص ، كما كانت جميلة جداً ..فنشأ بينهما الاعجاب ، فهزت كيانه من اول نظرة ؛ وشلت قلبه وعقله .. الى درجة أنه لم يجد موضوعاً يتحدث فيه الان معها .. الى ان استقل جمال المكان حوله ، فقال :

- المكان جميل ! اليس كذلك ؟

فردت عليه بصوتها الناعم :

- نعم .. وخاصة انه مطل على النيل .

- أجمل شئ فى هذه الحياة هو الهدؤ والسكون .

فقالت له :

- نعم ، فماذا يطلب الانسان فى هذه الدنيا سوى السكون والسعادة .. والاكل والشرب ، ورفيق العمر ، والذرية الصالحة .

- نعم .. وخاصة مسألة رفيق العمر – او المحبوب – لأن الحب هو الاساس الذى تقوم عليه الحياة الزوجية .

- الحب هو الاساس الذى تقوم عليه الدنيا كلها .

- نعم .. الحب جميل ! وخاصةً لمن يعيشون فيه .

ثم اردف وهو يهمس لها :

- وانا واحد من هؤلا الناس .. الذين يعيشون فى الحب .

- وفى الحال قفز قلبها ، وقالت بصوت هامس :

- ياترى .. من هى سعيدة الحظ ؟

قال لها مبتسماًبسخرية ، ومحطماً جميع آمالها :

- انى اعيش فى حب .. اخوانى .. وامى .. و

وقبل ان يتم كلامه ، كانت قد قرصته فى يده بسبب دعابته التى اغاظتها ، اما هو فكان يضحك بصوت عالى . وبعد قليل اردف بجدية :

- لا .. انى لا امزح .. انى متيم بحب فتاة سبت عقلى وقلبى ، فلا اصحو ولا انام ، الا وصورتها فى خيالى ؛ فهى طعامى وشرابى وزادى فى الحياة .. وبلسمى الذى يشفى جراحى .

كان يقول هذه الكلمات ، وهو ينظر الى عينيها بقوة وبنشوة فى نفس الوقت .

اما هى ، فقد تضرج وجهها بحمرة الخجل ، كانت تعرف انه يتكلم عنها .. ولكنها تريده ان يقولها بصراحة .

فقالت له بجرأة متناهية ، متغلبة على خجلها :

- ومن هى تلك المرأة التى اوقعت فى حبها اوسم واجمل شخص رأيته فى حياتى ؟

فقال لها بنفس الجرأة :

- انها امراة طويلة .. لها جسد جميل وشعر اسود كالليل ، وعينيها الواسعتين كلون شعرها ..

وقبل ان يتم كلامه .. قاطعهما النادل :

- تفضل يافندم العصير .. تفضلى ياهانم !

وكان يضع الاكواب على المائدة ، وكان كل منهما خجل مما قاله للاخر ، وقرر الثنان فى نفسهما تغيير الموضوع ؛ قال النادل :

- اى طلبات اخرى ؟

- لا .. شكراً .

كانت تضع السكر فى العصير من السكرية التى أحضرها النادل معه . فقالت له :

- هل اضع لك سكراً ؟

فقال لها مستعيداً جرأته :

- انى لا استطعم سكر الدنيا كلها .. فقط ذوبى لى انت فى هذا البرتقال ، فيصبح عسلاً !

- ازداد خجلها كثيراً .. فسكتت لمدة ، وقررت تغيير مجرى الحديث قائلة :

- لم تخبرنى حتى الان .. ماذا تعمل ؟

ارتبك لهذا السؤال ، واجابها متلعثماً :

- خير الله واسع !
- اذا كنت عاطل فلا تخجل .. قل !

- الحقيقة انى اعمل ..

- تعمل ماذا ؟

- تستطيعين القول انها اعمال خاصة .

- اعمال حرة تعنى ؟

فاجابها بسرعة مستدركاً :

- بالضبط .

ثم سألها عن عملها ، ظاناً ان الرقص هواية ليس الا، فاخبرته انها خريجة موسيقى ومسرح ، وانها راقصة ماهرة - خاصة فى الباليه - فعملت فى احدى الفرق الاستعراضية .. ثم اشتهرت ، وقررت امتهان الرقص .

وتكلموا كثيرا عن الفن والرقص ، ومواضيع اخرى .. حتى انهم تتطرقوا للسياسة .

كانت اصوات الموسيقى القادمة من صالة الرقص تداعب آ ذانهم بنغماتها العذبة ، فقال لها :

- ما رأيك فى هذه الموسيقى ؟

- انها رائعة ! .. لابد من وانها احدى روائع ( بتهوفن ) .

- هل سبق ان رقصت مقطوعة لبتهوفن ؟

- قليلاً جداً .. مرتين او ثلاثة !

- حسناً .. سوف تصير اربعة .. هل لى برقصة معك ؟

فابتسمت واجابت على الفور :

- بالطبع .. لا يوجد مانع .
ودخلوا وسط الراقصين ، وامسك بخصرها ويدها .. وامسكت به ؛ وبدأوا يتمايلون مع الموسيقى .

كان كل منهم ينظر الى عينى الاخر ، نظرات قوية ، فيها كل شئ .. احساس الشوق والوجد ، والحنان والحب .. كانت عيناهما تحمل احاسيس غريبة .

قالت له :

- ها أنت ذا بارع فى الرقص !

- الفضل يعود لك ولدروسك

وبعد قليل كان كل منهما يضع رأسه على كتف الاخر ، ويتمايلون ببطء على انغام الموسيقى الهادئة .

فعادت لها جرأتها ، وهمست فى أذنه :

- الن تتمم لى وصف تلك الفتاة ؟

-اى فتاة ؟

- الفتاة التى وقعت فى عشقها !

- آه .. ذات الشعر الاسود ؟

- نعم .. وماذا بعد الشعر الاسود ؟

- عيناها سوداوان .

- لقد ذكرت هذا ، ماذا بعد ؟

قال لها وهو يدارى ابتسامته ، لاعباً بأعصابها :

- وماذا يهمك انت فى هذا ؟!

قالت له وهى تحس بالخجل :

- يجب ان اهتم بمن يحبها صديقى !

- حسناً .. ان اول حرف فى اسمها " س " .

وكان اسمها يبدأ بالسين ، فكادت تطير من الفرحة ، وقالت له :

- ارحمنى .. قل اسمها كاملاً !

- حسناً ، ان اسمها .. ( سندريللا أحلامى ) !

قالها وضحك ضحكة مجلجلة فى أذنها ، اما هى فقد اغتاظت ، وقرصته مرة اخرى على يده وهى تبتسم لدعابته .

وبعد قليل رفع رأسه عن كتفها ، وقال لها فجأة :

- انى احبك انت ياسندريلا احلامى ..!!!

لم تصدق نفسها .. اخيراً قالها . ولكنها ارادته ان يكررها فى اذنها .

فقالت بصوت متهدج ملئ بالخجل :

- ماذا قلت ؟!

فقال لها وهو ينظر الى عينيها بعينيه الثاقبتين :

- ما سمعتيه ! .. احبك .. احبك .. احبك بعنف يا ملاكى ، احبك ولن اكف عن حبك ، وحتى وانا فى قبرى .

وتبادل معها قبلة طويلة ، ثم وضعكل منهما رأسه على كتف الاخر.. وواصلا الرقص..

كانت السمفونية طويلة.. كان الناس يرقصون قليلاً ويجلسون ، ويأتى غيرهم ليرقص ثم يجلس .. الا اولائك العاشقين ، الذين اعترفا قبل قليل بحب كل منهما للاخر .

قالت له وقد احست بالتعب :

- الم تتعب ؟ .. هيا نجلس !

- الرقص معك لا يتعبنى، بل يريحنى ..

ثم أردف :

- اصبرى قليلاً فقط .

ووضع راسه على كتفها مرة اخرى ، وأبطأوا فى الرقص ، حتى انهم توقفوا ..

ولكنها وقفت لتعبها ؛ اما هو .. عندما تركت كتفه ، كان يتصبب عرقاً .. وتحمر عينيه .. فقلقت عليه ، فلا يمكن ان يكون هذا مجرد تعب ..

فسألته :

- ماذا بك ؟.. هل تشعر بشئ ؟ .. لقد اخبرتك انه يجب علينا التوقف عن الرقص !

قال لها بصوت ضعيف وهو يترنح ترنح السكارى :

- قلت لك .. ان الرقص معك لا يتعبنى، بل يريحنى ..

ثم فجاة سقط على الارض .. وسط الراقصين .

بعد ان فحصه الطبيب ، سد باب حجرته فى المستشفى ، وخرج اليها وسألها :

- هل انت زوجته ؟

فارتبكت للسؤال ، ثم أجابت

- لا ، صديقته .. ماذا به يادكتور ؟

قال لها بوجه كئيب :

- لابد من انه قد تناول جرعة زائدة !

- أى جرعة !! .. لا أفهم !

قال لها داهشاً :

- اذاً أنت لا تعلمين !؟

- اعلم ماذا ؟؟

فقال لها ببطء :

- إن صديقك .. يتناول المخدرات !

فصعقت لجملته الاخيرة ، وصرخت فى وجهه :

- م .. ماذا تقول ايها السافل !!؟

قال لها بسرعة :

- حسناً .. هذا الشبل من ذاك الاسد .

- لا افهم !

- الا تعرفين ابيه ؟

- لا .

- إن والده شخصية عامة .. اى شخص يعرفه ، ان صوره اسبوعياً فى صفحة الحوادث على اى جريدة ؛ إنه أكبر تاجر مخدرات فى البلاد .. كما أنه أعظم زير نساء شهده التاريخ .اما ابنه .. على حسب فحصى له الان ، من اكبر مدمنى المخدرات ! .

- تملكها الرعب والمفاجأة فى وقت واحد ، فانفجرت صراخاً وبكاءً ، وجرت فى الحال واقتحمت غرفته – كأحد ثيران مصارعى الروديو الإسبانى ! – واصبحت تصرخ فيه وتلطمه فى وجهه :

- استيقظ .. استيقظ ياجبان !!

وكان شبه غافياً فى ذلك الوقت ، فرد عليها بعبارة واحدة ، وبصوت واهى كالمحتضرين :

- انى .. آسف ياحبيبتى !

لقد قال لها كلمة حبيبتى اخيراً .. ولكن بعد ماذا ؟ .. بعد أن ايقنت انه مجرم .. ياللاقدار!

ثم فجأةً بدأ يتألم ويصرخ ويتقلب بشكل مرعب .. فقلقت لهذا .. وصرخت فى الاطباء:

- ماذا به .. ماذا تنتظرون ؟ .. إفحصوه .. انقذوه !

ثم اردفت وهى تبكى :

-انقذوا حبيبى!

واصبحت تبكى قرب سريره ، والاطباء يأتون ويذهبون ، ويركضون .. حتى صاروا فى الغرفة خمساً.. ولم يستطيعوا فعل شئ ، فقد كان قلبه يدق ببطء ، عكس قلبها الذى كان يدق سريعاً .. خوفاً على حبيبها .. الذى غدر بها !

لم يستطع الاطباء فعل شئ ..

فتوقف القلب .. وجمد الجسد ..

وتقدم أحد الاطباء ببطء ، ومد يده .. وأغمض عينى الجثة ، وغطها بملاءة السرير .

كانت تنظر اليه وهى فاغرة فاهها غير مصدقة . ولكن بعد قليل ذرفت عينيها الدموع ، كما ذرفت عليها الدنيا المآسى فى هذا اليوم المشؤوم .

وحضنت الجسد المسجى تحت الملاءة ، كما لم تحضنه من قبل .. وبدأت تبكى بشدة .

** ** ** ** **
خرجت من غرفته حيث لاقاها الطبيب ، وقال :
- ان قلبه لم يستحمل هذه السموم ! .. لقد قلت لك .. لقد اخذ جرعة كبيرة اليوم وقد اودت بحياته ..
لم يتمم كلامه ، لانها كانت قد خرجت من المستشفى .
ياللاقدار !! .. قبل قليل كانت تراقص وتقبل اكبر تجار ومدمنى المخدرات فى البلاد .. شعورها متضارب .. هل فعلاً كان يحبها ؟
هى لا تدرى .. لقد تركها فى حيرة ، ولكن كان يخيفها شئ .. إن كل ماقاله لها ربما كان كذباً ! ، فقد كان تحت تأثير المخدرات ؛ أخيراً عرفت سبب دعاباته الكثيرة وخفة دمه فى هذه الليلة ، وجرأته المتناهية . نعم ، لقد كان تحت تأثير المخدر . ولكنه فى اخر لحظة ، كان يرقص معها رغم تعبه .. بل رغم احتضاره .. كان يشعر بالالم ويحس بأنه سيسقط مغمياً عليه ، ولكنه اصر على مواصلة الرقص معها ، فماذا يسمى هذا سوى .. الحب .


كان هذا فكرها المضطرب ، وهى تسير بقدميها على رصيف الشارع الخالى فى ذلك الوقت .. وهى قادمة من مستشفى الشؤم .
وفى الطريق مرت امام المطعم الليلى ، الذى شهد كلمات حبهما قبل قليل ؛ وبحركة لا ارادية .. وجدت نفسها تدخل . كان النادل ومعه خادمين يقومان ( بتشتطيب المكان ) وتنظيمه ليوم غدٍ . فدخلت الى الصالة التى كانت ترقص فيها .. مع الحبيب المجرم .
جلست على الارض .. فى المنطقة التى رقصت فيها معه ، نفس المنطقة التى سقط فيها مغمياً عليه .. وسقط فيها الحب .
كانت تحس بدوى كلماته يتردد فى آذانها ، وتحس بأن روحه ما زالت فى المكان ؛ وبعد قليل انفجرت فى البكاء ، وبكت طويلاً كما لم تبكى من قبل . وظلت تبكى وتبكى الى أن احست بالتعب ، فنهضت وخرجت .
** ** ** **
وفى تلك الليلة .. قررت تغيير مجرى حياتها كلياً .. سوف تترك الرقص .. نعم سوف تتركه ، ان لها شهادة من كلية الموسيقى والمسرح ، اذاً فلتستفيد منها ولن ترقص ابداً.
أحست انها عند كل رقصة سوف تتذكره ، وتتذكر مآساتها معه .
كانت تحس ان الرقص قد جلب لها الشؤم .. فآخر رقصة كانت معه ، ولكم كرهت واحبت فى نفس الوقت .. تلك الرقصة الأخيرة .

( النهاية )

أحمد عمر

الفيصل
05-07-2004, 08:53 AM
الاخ أحمد عمر

قصة جميلة
و اعتذر عن نقدها فلست من المختصين بذلك



اتمنى ان اقرأ لك دائماً

تحياتي و شكري لك

بسمه ودمعه
10-10-2004, 10:37 PM
ولكنها حقا رائعه وقرأتها للنهايه رغم طولها فعلا
ولكنها اجتذبتني لأعرف نهايتها

maha
11-10-2004, 01:40 PM
قصة راااااااااائعة جدا ..والاروع هو أحساس كاتبها...ومع الشكر الجزيل للأخ أحمد..وانا في انتظار جديدك فلاتتاخر...

همسة حزن
09-12-2007, 12:27 PM
قصـــــــــة كتـــــــــــير رائــــــــــــــــعة ..........................واتمنــــــــــــى لـــــــــك .............. التوفيــــــــــــــق .

وارجـــــــــــو المزيـــــــــــــــد مـــــــــــن كتاباتـــــــــــك .